صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
99
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )
حقيقة واحدة بسيطة شاملة لجميع الأشياء جامعة للجواهر والأعراض توجد تارة مفارقة عن الماهيات كلها وتارة يكون متحدة بالجوهر وتارة متحدة بالعرض من غير أن يلزم كون القائم بذاته عارضا للأعراض ولا يكون الوجود مقولا بالاشتراك الاسمي على الجواهر والأعراض فما هو الجواب والحل هاهنا يكون جوابا وحلا هناك قوله وليس لقائل أن يقول إن هذه الوحدة إنما لا يفارق على سبيل ما لا يفارق المعاني العامة قائمة دون فصولها كما لا يفارق الإنسانية الحيوانية إلى آخره تقرير هذا الاعتراض أن امتناع مفارقة الوحدة بهذا المعنى عن الموضوعات لا يدل على عرضيتها لأن امتناع مفارقة الشيء عن الموضوعات والخصوصيات سببه أحد الأمرين إما الإبهام العمومي أو القصور الوجودي فالأول كالمعنى الجنسي مثل الحيوان بما هو حيوان فإنه لإبهامه يحتاج إلى فصل محصل لمعناه كالناطق فلا يمكن مفارقة المعنى الجنسي كالحيوانية عن موضوعه النوعي كالإنسانية والثاني كالعرضية فمجرد امتناع المفارقة لا يصير دليلا على العرضية إذ ربما كان منشأ الإبهام الجنسي فإن الحيوانية معنى جوهري ولا يوجد مفارقا عن الخصوصيات والمواد حتى يكون حيوانا بحتا بلا ناطق وصاهل وغيرهما والجواب أن امتناع مفارقة الوحدة للموضوعات ليس سببها الإبهام الجنسي إذ الوحدة معنى نوعي محصل ليست نسبة ما فرض منها أعم إلى ما فرض أخص نسبة المنقسم إلى المنقسم إليه بفصل مقوم يعني نسبة الجنس إلى النوع لأن الوحدة ليست معناها جزء معنى جوهر أو عرض ولا هي داخلة في حدود الماهيات الجوهرية والعرضية بل نسبتها إلى الأشياء نسبة معنى محصل عرضي لازم عام امتاز أفرادها ليس بذواتها ولا بأمور مقومة لأفرادها بل بما أضيف إليها من الموضوعات فوحدة الإنسان امتازت عن وحدة الفرس لا بذاتيهما بل بما أضيفتا إليه وإذا أشرنا إلى بسيط واحد منه أي أشرنا إلى مبدأ اشتقاق الواحد لا المشتق المركب منه ومن الموضوع كالأبيض كان ذلك البسيط متميز الذات أي متميزا الحقيقة النوعية عن التخصيص الذي لحقه من جهة الموضوع لا كاللونية التي في البياض إذ لا يتميز حقيقته عن حقيقة البياض وكذا اللونية التي في السواد لا يتميز في الوجود عن السواد فظهر أن معنى الوحدة معنى محصل الذات متميزة في ذاتها عما نسبت إليه ومخصصاتها أمور خارجة عنها وجودا وماهية ليست كالفصول المقومة للجنس فامتناع مفارقتها للمخصصات والموضوعات ليس من جهة إبهام معناها فإذا صح وثبت أن الوحدة يمتنع مفارقتها عن الموضوع فصح وظهر أن المحمول الذي هو مفهوم الواحد بما هو واحد أمر لازم مشتق الاسم من اسم موضوع لمعنى بسيط هو المسمى بالوحدة وهو عرض لأنه موجود في الموضوع لا كجزء منه ولا يصح مفارقته منه وإذا كانت الوحدة عرضا فالواحد الذي بحسب المفهوم مؤلف منها ومن شيء ما على الإطلاق يكون عرضا إذ لا فرق بين البسيط والمشتق منه إلا بالاعتبار والاسم اللهم إلا أن يراد بالمشتق الأمر المركب من الموضوع الخاص والمبدأ كالأبيض إذا أريد به الجسم والبياض القائم به وهو معنى خارج عن مفهوم المشتق منه بل العرض الذي هو المبدأ والعرض الذي هو المحمول أمر واحد بالذات متغاير باعتبار التعين والإبهام فإن ثبت أن الوحدة عرض فالواحد كذلك هذا شرح ما رامه الشيخ ولنا في هذا المقام معه مقاومات علمية ومباحثات حكمية فإن فيما ذكره بعضه أمور صحيحة وبعضه أمور متزلزلة مضطربة لما أن الوحدة ليست معنى جنسيا والجواهر والأعراض ليست بالقياس إليها كالفصول المقومة ولا قسمتها إليها قسمة الجنس إلى الأنواع فكلام صحيح لا مزية فيه وكذا كون الوحدة والواحد بما هو واحد أمرا بسيطا خارجا معناه عن معنى الماهيات الجوهرية والعرضية حق وصدق وأما أن الوحدة معنى واحد لا اختلاف بين أفرادها إلا بسبب أمور خارجة هي ما أضيفت إليها فليس كذلك لأن الوحدة في الأعيان ليست كسائر الأمور الإضافية والنسبية التي لا أفراد لها إلا الحصص المتعددة بتعدد ما أضيفت إليه لا غير كالإمكان والفردية والزوجية والفوقية والعلية والمعلولية والوجود عند من رأى أنه نفس الموجودية المصدرية وكذا الوحدة عند من رأى أنها نفس الواحدية لا غير فمثل هذه الأشياء صح ما ذكره الشيخ فيه من أنه لا يختلف إلا بالخارجيات كيف والوحدة العددية والاتصالية والنوعية والجنسية ضروب من الوحدة متخالفة في ذاتها لا بسبب النسبة إلى ما نسبت إليه فالوحدة وحدة نفسها أولا وبالذات ثم وحدة غيرها من الماهيات المضافة إليها إن أضيفت والوحدة الاتصالية هي اتصال نفسها أولا ثم اتصال ما هو فيه كالماء وليست الوحدة كالوجود كما هو المشهور وعليه الجمهور من أنها يتكثر بتكثر الموضوعات ويتميز بتميزها بل الأمر بالعكس عند التحقيق وبالجملة حال الوحدة في جل الأمور بل في كله كحال الوجود عند الراسخين في العلم بهما فهي وإن لم يكن جنسا للأشياء لكنها مختلفة بالكمال والنقص والشدة والضعف والتجرد والتعلق والجوهرية والعرضية بالوجه الذي سبق بيانه فهي مع الجسم جسم ومع